يندرج التخطيط الاستراتيجي في إطار مناهج التدبير الحديث للمنظمات والإدارات، وقد أدى هذا النوع من التخطيط إلى تقوية فعالية أداء المنظمات من خلال توفرها على رؤية مستقبلية تسمح لها  بالاستمرارية وتطوير وتوسيع مشاريعها الراهنة والمستقبلية والقدرة على الاستجابة بطريقة فعالة للتغيرات التي تحدث داخل محيط المؤسسة وضمان تموقعها الجيد في مجال تدخلها.

 

ويمكن تعريف التخطيط الاستراتيجي بأنه العملية التي يمكن بواسطتها مؤسسة ما وضع تصور لتوجهها المستقبلي، ومن ثم تحديد الخطة والسياسات والإجراءات وأساليب العمل لتحقيق التصور ووضعه موضع التنفيذ.

التخطيط الإستراتيجي إذن، هو منهجية عمل تمكن المؤسسة من الإجابة على عدة تساؤلات من قبيل:

      • من نحن وما هو تاريخنا ؟ ما هو جوهر وغاية وجودنا كمؤسسة؟

      • ماذا ننتج/نقدم ؟ما هي غاياتنا؟ وما هي أهدافنا؟

      • ما هي القيم والمبادئ المؤطرة لعملنا؟

      • من المعني بخدماتنا؟

      • ما هي المخاطر التي تحدق بنا و تهددنا؟

      • كيف نريد أن نكون في المستقبل؟

      • كيف نصل لما نريد؟

      • ما الذي يميزنا عن باقي المؤسسات؟

من خلال ما سبق يمكن القول بأن التخطيط الاستراتيجي يرتكز على خمس مرتكزات أساسية:

 

  1. المعرفة الجيدة بالفئات المستهدفة بعمل المؤسسة (خصائصهم، مؤهلاتهم، مشاكلهم، حاجياتهم....)،

  2. التحديد الواضح  والدقيق لرسالة المؤسسة وغايات وجودها،

  3. الفهم الجيد لنقاط القوة والضعف المرتبطة بالمؤسسة،

  4. الفهم الجيد للفرص المتاحة والتهديدات المحتملة،

  5. اتخاذ القرارات بخصوص مستقبل المؤسسة (أين نريد أن نكون)،

  6. وضع آليات تنفيذية/إجرائية للوصول للوضعية المستهدفة.

مراحل التخطيط الاستراتيجي:

إن التخطيط الاستراتيجي هو مسلسل ينبني على جمع المعطيات وتحليلها بغاية اتخاذ القرارات الاستراتيجية المستقبلية.

ويمكن إجمال المراحل الكبرى للتخطيط الاستراتيجي في ما يلي:

 

أولا: مرحلة الإعداد للتخطيط:

يطلق على هذه المرحلة "التخطيط للتخطيط" وتتميز باتخاذ قرار التخطيط الاستراتيجي ووضع البنيات التنظيمية والبشرية للشروع في هذه العملية من خلال :

  • تحديد فريق العمل الذي سيتولى مهام ومسؤوليات التخطيط الإستراتيجي،

  • تبرير دواعي تبني المخطط : شرح الأسباب، تبني المقاربة، التحكم في مختلف مراحلها،

  • تحديد  المدة التي سيغطيها هذا التخطيط،

  • اختيار المنهجية  وآليات البحث عن المعلومات وتحليلها،

  • تسطير أجندة اللقاءات والاجتماعات،

  • تخصيص الاعتمادات اللازمة للتخطيط،

  • وضع مشروع جدولة للمخطط.

ثانيا: تحليل الوضع الراهن:

تبدأ ممارسة التخطيط الاستراتيجي بالخطوة الأولى الخاصة بالتعرف على طبيعة البيئة التي تعمل بها المؤسسة. وينطوي تحليل الوضع الراهن على تحليل كل من البيئة الخارجية للمؤسسة، والبيئة الداخلية (أو قدراتها الذاتية).

 

تحليل البيئة الخارجية: (الفرص والتهديدات)

تتضمن عناصر البيئة الخارجية للمؤسسة جميع العوامل المؤثرة والغير الخاضعة لسيطرة المؤسسة، وتنقسم عناصر البيئة الخارجية إلى مستويين:

  • البيئة الخارجية العامة، وتشمل المتغيرات البيئية التي تؤثر على جميع الجمعيات العاملة في المجتمع بغض النظر عن طبيعة النشاط الذي تقوم به، أو المجال الذي تنتمي إليه مثل: العوامل الاقتصادية، السياسية،  الاجتماعية، الثقافية، القانونية والتشريعية.....

  • البيئة الخارجية الخاصة، وتتضمن العوامل ذات التأثير الخاص على مجال النشاط الذي تعمل به المؤسسة.

وينتهي تحليل الوضع الراهن لعناصر البيئة الخارجية بتحديد الفرص والتهديدات:

الفرص: هي مواقف أو اتجاهات أو تغيرات قائمة أو محتملة بالبيئة الخارجية تؤدي إلى تدعيم الطلب على خدمات المؤسسة أو إلى تحسين مركزها التنافسي وذلك بافتراض حسن استغلالها.

التهديدات: هي مواقف أو اتجاهات أو تغيرات بالبيئة الخارجية تمثل خطرا قائما أو محتملا على المركز التنافسي للمؤسسة، أو تحد من قدرتها على تحقيق رسالتها وأهدافها، وذلك ما لم تنجح المؤسسة في تجنبها أو تحييدها.

تحديد أهم الفرص (ذات أكبر قيمة متوقعة)، وأهم التهديدات (ذات أكبر قيمة متوقعة) لأن المرحلة التالية في صياغة الإستراتيجية تحدد كيفية اقتناص أهم الفرص، وكيفية تجنب أهم التهديدات.

 

تحليل البيئة الداخلية (نقاط القوة ونقاط الضعف):

هي جميع العوامل الخاضعة لسيطرة المؤسسة مثل سياسات ونظم وقواعد وإجراءات العمل والموارد البشرية وظروف العمل المادية والموارد المالية المتاحة.......

ينتهي تحليل الموقف الراهن لعناصر البيئة الداخلية أو القدرات الذاتية بتحديد مواطن القوة ومواطن الضعف.

مواطن القوة : هي القدرات الذاتية للمؤسسة والتي تميزها عن منافسيها، سواء كانت موارد وإمكانات بشرية أو مادية أو نظم عمل، ويمكن استخدامها بكفاءة وفعالية في تحقيق أهداف ورسالة المؤسسة.

مواطن الضعف: هي أوجه القصور أو النقص الذاتية، سواء كانت في الموارد والإمكانات البشرية أو المادية أو نظم العمل المطبقة، ويمكن أن تعوق المؤسسة عن تحقيق رسالتها وأهدافها.

إن الهدف من تحديد القدرات الذاتية هو تحديد عناصر ومقومات قوة المؤسسة وضعفها مما يمكنها من اقتناص الفرص المتاحة، وتجنب أو تحييد التهديدات المحتملة، وبالتالي وضع إستراتيجية للمؤسسة تحقق أهدافها العامة ورسالتها.

 

ثالثاً: تحديد الرؤية والرسالة والقيم:

الرؤية: هي جملة موجزة وواضحة وملهمة توضح الصورة التي تود أن تكون عليها المؤسسة مستقبلاً، وهي توفر نقطة تصويب اتجاه المستقبل.

الرسالة: جملة تفسيرية لسبب وجود المؤسسة أو الإدارة وتوضح الجهود التي تجعلها مؤسسة متفردة ومتميزة عن مثيلاتها والتي تقدم خدمات متميزة للمستهدفين وتوضح تأكيد الالتزام المشترك لأعضائها بتحقيق الرؤية والغايات والأهداف لمصلحة المستهدفين، وتعتبر الرسالة نقطة مرجعية لتحديد الأهداف الاستراتيجية والإجرائية للمؤسسة.

القيم: هي معايير أخلاقية وثقافية تتفق عليها المنظمة ويؤمن بها جميع العاملين من كافة المستويات لخلق الانسجام والترابط فيما بينهم وتعمل على توجيه وضبط الأداء نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجية.

 

رابعاً: تحديد التوجهات الاستراتيجية والأهداف:

 

  • التوجهات الاستراتيجية:

بعد تحليل الوضع الراهن للمؤسسة وصياغة رؤيتها ورسالتها، تأتي مرحلة تحديد التوجهات المستقبلية للمؤسسة التي تعتبر بمثابة الإطار العام لتدخلات المؤسسة خلال الفترة التي تغطيها المخطط الاستراتيجي، فالتوجهات الاستراتيجية هي اختيارات تقوم بها المؤسسة لتحديد اتجاهاتها في المستقبل بغية تحقيق رسالتها.

 

  • تحديد الأهداف:

انطلاقاً من التوجهات الاستراتيجية للمؤسسة، يتم وضع أهداف واضحة، محددة، مبرمجة، قابلة للقياس وواقعية في انسجام مع نتائج التحليل الاستراتيجي للمؤسسة الذي تم إنجازه في المراحل السابقة.

 

تعتبر الأهداف غايات مطلوب الوصول إليها، وذلك من خلال مخرجات تتولى المؤسسة  تقديمها في شكل منتجات أو خدمات بمواصفات محددة تؤدي إلى تحقيق هذه النتائج أو الأهداف.

 

وتنقسم الأهداف وفقا للمدى الزمني والمستوى التنظيمي إلى ثلاثة أنواع:

-أهداف إستراتيجية: يتم تحقيقها على المدى الطويل (3-5 سنوات على الأقل)، وتسهم في تحقيق الإستراتيجية،

-أهداف تكتيكية: يتم تحقيقها على المدى المتوسط (1-3 سنوات) وتسهم في تحقيق الأهداف الإستراتيجية،

- أهداف إجرائية: يتم تحقيقها على المدى القصير (خلال سنة على الأكثر)، و تسهم في تحقيق الأهداف التكتيكية.

 

خامساً: بلورة خطة العمل/المخطط التنفيذي:

 

يُشير مفهوم الخطة بشكل عام إلى الوثيقة التي تلخّص كيف يمكن أن تُحقّق المنظمة الأهداف التي وضعتها وذلك من خلال:

  • تحديد الأهداف الخاصة

  • تحديد النتائج لكل هدف

  • تحديد الأنشطة الملائمة لكل نتيجة

  • تحديد مجموعة البرامج و المشاريع لتحقيق الأهداف

  • وضع نظام للتتبع (مؤشرات قابلة للتحقق موضوعيا مع تحديد مصادر التحقق)

  • تحديد الموارد البشرية، والوسائل المادية والمالية الضرورية

  • وضع جدولة زمنية لمراحل التنفيذ

  • توزيع المهام والمسؤوليات.

سادساً: تتبع وتقييم الخطة الاستراتيجية:

يعتبر التتبع والتقييم جزء لا يتجزأ من التخطيط الاستراتيجي. فالتتبع هو مسلسل منظم للحصول على المعلومات حول سير خطة العمل مقارنة مع ما هو مخطط وذلك بشكل يسمح بالتدخل في الوقت المناسب لإدخال التعديلات اللازمة واتخاذ الإجراءات الكفيلة  بتصويب مسار العمل داخل المؤسسة.

أما التقييم فينجز خلال محطات محددة (سنوي، نصف مرحلي ونهائي) بهدف الوقوف على مدى تحقق الأهداف والنتائج المسطرة في الخطة الاستراتيجية بناء على مؤشرات مضبوطة تم وضعها في الخطة التنفيذية. وتعتبر مرحلة التقييم محطة أساسية ومرجعية لاتخاذ القرارات المناسبة بخصوص بناء المخطط الاستراتيجي المقبل للمؤسسة.